[مَعاييرُ المَوقِفِ]

عدد القراءات : 264
[مَعاييرُ المَوقِفِ]

بلاد نيوز/بقلم / نــــــــــــزار حيدر

أَلم يُنهِ رسولُ الله (ص) [الحرب السَّاخنة] بين الهاشميِّين والأَمويَّين والتي استمرَّت مدَّة البعثةِ النبويَّةِ الشَّريفةِ، عندما صدحَ بقولهِ المشهور حال دخولهِ مكَّةَ المُكرَّمة فاتحاً {ومَن دَخَلَ دار أَبو سُفيان كانَ آمِناً}؟!.

   أَلم يضع أَميرُ المُؤمنينَ (ع) حدّاً لإِستخدامِ السِّلاح بينهُ وبينَ الطَّليقُ مُعاوية حفيد حمامةَ صاحبةِ الرَّاية في الجاهليَّة عندما قبِلَ بالتَّحكيمِ إِثرَ حرب صفِّين؟!.

   أَلم يُطبِّع الحسنُ السِّبط (ع) العلاقةَ بينهُ وبين المُوما إِليهِ عندما سلَّمهُ الخلافةَ والسُّلطةَ وتركَ الكوفةَ عائداً إِلى مدينةِ جدِّهِ رسولَ الله (ص) المدينةَ المُنوَّرة؟!.

   أَلم يأمُر الحُسين السِّبط (ع) أَصحابهُ وشيعتهُ أَن يكونُوا أَحلاسَ بيوتهِم في إِشارةٍ منهُ إِلى عدمِ نيَّتهِ مُواجهة طاغيةَ الشَّام عسكريّاً؟!.

   فلماذا، إذن، خرجَ (ع) على إِبنِ الطُّلقاء الطَّاغية يزيد رافضاً بيعتهُ وساعياً للإِصلاحِ؟!.

   لا أُريدُ هنا أَن أَشرحَ وأُناقشَ حيثيَّات هذهِ الأَسئلةِ، وإِنَّما سُقتها للإِستشهادِ بها كنماذجَ من أَسئلةٍ تُعبِّر عن عقليَّةٍ هي موجُودة في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، تخلِط الأُمور بمقدِّمات لتصِلَ إِلى نتائجَ خطأ عمداً الغايةُ من ذلكَ التَّبرير تارةً والتشبُّث برأيٍ تارة أُخرى.

   وهذه الطَّريقة من التَّفكير تخطأ عندما تقرأ المواقفَ وذلكَ لِسببَينِ؛

   *فهيَ تظنُّ أَن أَيَّ موقفٍ يتَّخذهُ الإِنسان إِزاء قضيَّةٍ من القضايا يجب أَن لا يتغيَّر حتَّى إِذا تغيَّرت الظُّروف والشُّخوص وحكمت المُتغيِّرات.

   *وهي لا تأخذُ بنظرِ الإِعتبار أَبداً ظرُوف المَوقف الزَّمكانيَّة، عندما تريد أَن تُقيِّمهُ وتعرضهُ للتَّشريحِ والتَّحليلِ، فهي تقرأُ مَوقفَ الأَمسِ بعقليَّةِ وظرُوفِ اليَوم!.

   هذهِ العقليَّة تشبهُ طريقة تفكير جُحا الذي سالُوهُ مرَّةً عن عمرهِ فأَجاب؛ [٦٠] عاماً، وبعد [١٠] أَعوام أَعادُوا عليهِ نفسَ السُّؤَال فكرَّر نفس الجواب؛ [٦٠] عاما! فسأَلوهُ وكيف؟! قالَ؛ كلامُ الرَّجُلِ واحد!.

   أَمَّا القُرآن الكريم فيُعلِّمنا طريقاً آخرَ ومنهجاً مُختلفاً عند التَّقييم يعتمدُ مِعيار [المُمارسة الآنيَّة] القائِمة على القِيم والمصالِح العُليا والحق والإِنصاف، فلا يكفي أَن تكُونَ [مُؤمناً] كُلَّ حياتِكَ إِذا لم تتَّخذ الموقف السَّليم في الوقت الصَّحيح، أَو أَن تكُونَ زاهداً عابداً كُلَّ حياتِكَ إِذا سقطتَ في إِختبارِ السُّلطةِ والمالِ والجنسِ في أَوَّل مُواجهة!.

   وتأسيساً على هذا المِعيار يمكنُ أَن يتغيَّر موقفكَ من زيدٍ أَو تُعيدَ النَّظر برأيكَ في عَمرُو أَو تتراجع عن موقفِكَ السَّلبي من القضيَّة [أ] أَو تُعيدَ النَّظر في تبنِّيك للمشرُوعِ [ب] وكلُّ ذلكَ حسبَ الأُسُس التي ذكرتَها للتَّو.

   ولذلكَ فمِنَ المُمكن جدّاً أَن يتحوَّل إِنسانٌ آتاهُ الله تعالى من آياتهِ إِلى ما يشبهِ الكَلب إِذا تغيَّر وبدَّل قِيمهُ واتَّخذَ موقفاً سلبيّاً من قضيَّةٍ عامَّةٍ تُحقِّق الصَّالح العام، فلا يقولنَّ أَحدٌ؛ وكيفَ يكونُ ذلكَ؟! أَلم يكُن بالأَمسِ ممَّن آتاهُ الله آياتهِ؟! فكيفَ حصلَ هذا ليُشبِّههُ القُرآن الكريم بالكلبِ؟!.

   يقولُ الله تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ولقد كانَ هذا [المَعني بالآيةِ] إِذا نظرَ رأى العرش! وإِذا به يهبطُ ويتسافلُ بشَكلٍ صاروخيٍّ ليتحوَّل إِلى ما شبَّههُ الله تعالى بهِ.

 إِذن، يُمكنُ ذلكَ، يُمكنُ أَن يكونَ زَيداً رجلاً صالحاً حتَّى إِذا آتاهُ الله الحُكم إِذا بهِ يهبطُ إِلى ما دون مُستوى [العجلِ السَّمين] فاذا كُنتَ ممَّن يُؤَيِّدونهُ ويدعمُونهُ يومَ كانَ صالحاً ثمَّ تغيَّر فغيَّرتَ موقفكَ منهُ فلا ضيرَ في الأَمرِ وإِنَّما الخطأ إِذا انقلبَ وبقيتَ ثابتاً على دعمِكَ وتبنِّيكَ لهُ./انتهى.

القائمة البريدية

خدمة الاخبار العاجلة