٢٠٢١ عامُ التَّضرُّع

عدد القراءات : 258
٢٠٢١ عامُ التَّضرُّع

 بلاد نيوز /بقلم نـزار حيدر / عندما {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} مرَّت علينا السَّنة بأَشدِّ البلاءاتِ وأَشملها.

   فلقد تجرَّعنا الخَوفَ والقلق، وفقدنا أَحباب وأَصدقاء، وتعطَّلت أَعمالنا وأُغلقت المدارس ودُور العِبادة وتوقَّف السَّفر والتزمنا الحظر في الحضر، فأَصبحَ كُلَّ شيءٍ إِفتراضيٌّ غَير حقيقي.

   فُجأة تغيَّر كلَّ شَيْءٍ فلم يعُد ينفع العِلم والتَّكنلوجيا والمال ولا أَيِّ شيءٍ آخر، وكأَنَّ الله تعالى سخَّر أَضعفَ خلقهِ [الفايرُوس] ليُذِلَّ بهِ عبادهُ ويُنبِّههُم إِلى ضَعفهِم وتفاهتهِم.

   لقد خلقَ الله تعالى كلَّ شيءٍ جميلاً وحَسناً ونزيهاً {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ} ثمَّ دعانا للنَّظرِ في ذلكَ {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} {وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.

   أَمَّا الإِنسانُ فكانَ في القِمَّة {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}.

   ولأَنَّهُ عزَّ وجلَّ أَرادهُ خليفةً {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ} لذلكَ مكَّنهُ من كلِّ شيءٍ وسخَّر لهُ كلَّ شيءٍ {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

   بإِزاءِ هذهِ المُعادلة الإِلهيَّة العادِلة، فإِنَّ أَيَّ فسادٍ في الأَرض وعلى أَيِّ مُستوىً إِنَّما سببهُ الإِنسان، كما أَشارت إِلى ذلكَ الآية الكريمة التي صدَّرنا بها المَقال.

   وتبدأ مُعادلة الفساد في مواجهةِ مُعادلةِ السَّماء كما يلي؛

   *ظهُور الفساد قد يعُمَّ البرَّ والبحرَ، فهوَ لا يقفُ عندَ حدٍّ إِذا لم تتُم مواجهتَهُ، خاصَّةً الفساد المُجتمعي.

   *والفسادُ سببهُ بما كسبت أَيدي النَّاس، أَي بسببِ أَفعالهِم {وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمْ ۖ}.

   *إِنَّ حجمَ الأَخذِ الإِلهيِّ يتناسبُ طرديّاً معَ حجمِ الفسادِ.

   *ومنَ العدلِ الإِلهي أَنَّهُ سبحانهُ يُذيقهُم بعضَ الذي يترتَّب على فسادهِم، ليسَ بالضَّرورة إِنتقاماً منهُم وإِنَّما لتنبيههِم ليعودُوا إِليهِ عزَّ وجلَّ، وذلكَ هوَ تجلِّي الرَّحمة الإِلهيَّة بعبادهِ الذين خلقَ.

   كما أَنَّ الأَخذ هو مِن الرَّحمةِ الإِلهيَّة بعبادهِ ليعودُوا إِليهِ كُلَّما غفلُوا {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ}.

   وإِنَّ أَخطر الفساد هو فسادُ العقلِ، عندما نغفلُ عنِ البلاءِ فنُفسِّرهُ بالمُؤامرةِ أَو أَنَّهُ مِن صُنعِ الإِنسانِ، كما تعاملَ بعضُنا مع بلاءِ [فايرُوس كورونا] أَو أَيِّ بلاءٍ آخر!.

   في العامِ الذي مضى بانَت معالِمُ الفسادِ بشَكلٍ كبيرٍ، وعلى كُلِّ المُستويات [الإِجتماعي والسِّياسي والإِقتصادي والأَمني] وغيرِها.

   وهو شملَ كلَّ العالَم حتَّى عمَّ الفسادُ بشَكلٍ مُرعبٍ، تلمَّستهُ البشريَّة بوضُوحٍ وذاقَ آلامهُ وعذاباتهُ كلَّ النَّاس.

   وما أَذقناهُ ينبغي أَن يكونَ جرسَ إِنذارٍ {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

   نرجِعُ إِلى الله تعالى بالتَّناهي عَنِ الفسادِ، فلا نُبرِّرَ لفاسدٍ ولا ندافعَ عن فاسدٍ ولا نُصفِّقَ لفاسدٍ.

   حتَّى السُّكوت على فسادِ الفاسد هو نوعٌ من الفسادِ ينبغي أَن ننتبهَ لهُ وإِلَّا فسيُصيبنا بعضَ الأَخذِ الإِلهي للفاسدِ.

   لنتضرَّعَ إِلى الله تعالى ونعودَ إِليهِ في العامِ الجديدِ ليرحمَنا فيرفعُ عنَّا البلاءَ والوباءَ الذي سببهُ فسادنا.

   ليتضرَّعَ كلُّ واحدٍ منَّا إِلى إِلههُ، إِلى مَن يعبُدَ.

   المُهم أَن نعودَ جميعاً إِلى القوَّة الغيبيَّة التي تيقَّنَّا أَنَّها تقِفُ خلفَ كلَّ هذا البلاءِ والإِمتحانِ والإِختبارِ.

   فعندما يعجزُ البشر وما يملكُ عن مواجهةِ عدُوٍّ لا يُرى بالعينِ المُجرَّدة، فتأَكَّد بأَنَّ سِرّاً عظيماً يقف خلفهُ، وهو وحدهُ القادرُ عليهِ.

   وصدقَ اللهُ العلِيُّ العظيمُ القائِلُ {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}. /انتهى


لاتعبر المقالات المنشورة عن سياسة الوكالة وانما هي تعبر عن سياسة رأي كاتبها

 

القائمة البريدية

خدمة الاخبار العاجلة