المجتمعات الشيعية وظواهر التمايز والتكامل/ 3 المجتمع الشيعي العراقي

عدد القراءات : 65
المجتمعات الشيعية وظواهر التمايز والتكامل/ 3 المجتمع الشيعي العراقي

بلاد نيوز / بقلم علي المؤمن /المجتمع الشيعي العراقي ــ تاريخياً ــ هو القاعدة الثانية للتشيع بعد الحجاز، والمادة الشعبية الأساسية للشيعة، والعراق هو جغرافيا أول حكم إسلامي شيعي (دولة الإمام علي في الكوفة)، وآخر حكم إسلامي شيعي (دولة الإمام المهدي في الكوفة أيضاً وفق الروايات)، أي أن حكم آل البيت بدأ في الكوفة وسيتمركز في الكوفة مرة أخرى. كما كان العراق مركز حكم الإمام الحسن بن علي، ووقعت فيه أهم فصول نهضة الإمام الحسين، كما عاش فيه الإمام الصادق وبلور المذهب الفقهي والعقدي لمدرسة آل البيت، كما عاش فيه الأئمة الكاظم والجواد والهادي والعسكري، وولد فيه الإمام المهدي، وفيه مراقد ستة من أئمة آل البيت (علي والحسين والكاظم والجواد والهادي والعسكري). 

وفي العراق ولد النظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر الغيبة على يد شيعة بغداد، وفي النجف تأسست عاصمة الشيعة الدينية العلمية، أي أن العراق هو ماضي الشيعة وحاضرهم ومستقبلهم، وكأنّه القلب الذي تحيط به الأعضاء المجتمعية الشيعية الأخرى، من الشرق والغرب والشمال والجنوب، لتشكل معاً الجسد الواحد. ولعل شيعة العراق هم الأكثر تأثيراً في أحداث الشطر العربي من العالم الإسلامي في الوقت الحاضر. 

 ولم يتحمل شيعة العراق مهمة تأسيس النظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر الغيبة وحسب، بل ظلوا أحد أهم مصادر تمويل هذا النظام ومرجعيته ومؤسسته الدينية، وكان تجار بغداد الشيعة، منذ عصر التأسيس وحتى الحكم البعثي، يقومون بهذا الدور بانتظام، رغم خطورته على حياتهم وأموالهم في ظل الحكومات الطائفية المتخاصمة مع الشيعة. وقد تعرض تجار بغداد الشيعة ــ في سبيل ذلك ـــ الى كل ألوان الأذى والاعتقال والتشريد خلال الحكم البعثي.  

 ويتميز المجتمع الشيعي العراقي بالذكاء التراكمي الحاد، وبكونه مجتمعاً عشائرياً، وباحتفاظه بكثير من أخلاقيات البداوة، ومن ذلك عاطفته الجياشة وميله للفروسية، ووضوحه وشفافية نزعاته، وسرعة ردة فعله وتأثره، وسرعة غضبه ورضاه، وقلة صبره، وقدرته القيادية مقابل ضعف قدرته الإدارية. كما ينزع الى العمل الفردي وصعوبة الحراك الجماعي المنظم، أو الحفاظ عليه، وهو ما ينعكس على أدائه السياسي والمعيشي غالباً. 

ورغم أن المجتمع الشيعي العراقي ظل يشكل الغالبية السكانية العددية في العراق، منذ قرون طويلة، إلّا أن السلطة ظلت بيد حكام سنة طائفيين، منذ عبيد الله بن زياد، أول حاكم أموي، وحتى صدام حسين، آخر حاكم أموي، باستثناء فترات زمنية حكم فيها المختار الثقفي ثم الشيعة البويهيون والصفويون. وهذا الفصام المذهبي بين النظام الحاكم والمجتمع الشيعي العراقي، تسبب في علاقة فصام سياسي تراكمي بين شيعة العراق والدولة، جعل الشيعة (وهم الأكثرية السكانية) كتلة معارضة دائمة للدولة، وجعل النخب السنية (وهم الاقلية السكانية) كتلة حاكمة دائمة للدولة، وهي ظاهرة حصرية بالعراق، غير موجودة في أية دولة في العالم، حتى ظل الشيعي، يعيش هاجس المواطنة والانتماء للدولة العراقية، حتى في ظل ما سمي بالدولة العراقية الحديثة التي تأسست بعد العام 1921، بل تكرس هذا الهاجس في عهد السلطة البعثية بعد العام 1968. 

 ورغم انهيار الاجتماع السياسي العراقي التقليدي الموروث في العام 2003، فإن المجتمع الشيعي العراقي الذي بدأ ينفض عنه غبار الفصام مع مجتمع الدولة، ويعيش بالتدريح حالة الانتماء الطبيعي للدولة؛ ظل يتعرض لأبشع ألوان المهددات الإرهابية وضغوطات الإفشال من ناحية الجماعات العنصرية الطائفية الداخلية ومن الأنظمة الخارجية المتماهية معها والداعمة لها بالمطلق؛ للحيلولة دون تبلور الاجتماع السياسي العراقي الجديد الذي يشكل الشيعة ركناً أساسياً فيه، ودون نجاح تجربة المشاركة الشيعية في قيادة الدولة والحكم. وقد ساهمت حداثة خبرة الجماعات السياسية الشيعية في الإدارة الحكومية، وخلافاتها البينية، وبعض مظاهر الفساد المالي والإداري الذي تورط فيه بعض عناصرها، في إعطاء الفرصة للخصوم الداخليين والخارجيين لاستغلال هذه المظاهر والمبالغة فيها، والتغطية على فساد الجماعات الكردية والسنية وفشلها، من أجل تحريك الشارع الشيعي ضد التجربة الجديدة.

 والمفارقة هنا؛ هي أن مشاركة القوى السياسية والاجتماعية والدينية الشيعية في قيادة الدولة العراقية الجديدة؛ تسببت في تحمّل المجتمع الشيعي العراقي كل الأعباء المعنوية للدولة، وباتت النخبة الدينية والسياسية الشيعية مضطرة الى تقديم المزيد من التنازلات السياسية والثقافية والمالية، من أجل مصالحها الفئوية ـــ أحياناً ـــ أو من أجل بقاء عجلة الدولة تدور وبقاء العراق موحداً ـــ أحياناً أخرى ـــ. ومن تلك التنازلات قبولها بظواهر المحاصصة التوازنية المكوناتية التي أفرزها النظام السياسي الجديد الذي تأسس بعد العام 2003، الأمر الذي سلب من المجتمع الشيعي، حقه الديمقراطي، بوصفه مجتمع الأكثرية السكانية، في أن يكون رئيس الدولة شيعياً، كما سلب حقه في أن تكون مناصب الشيعة في الدولة منسجمة مع نسبتهم السكانية، وأن تكون الحكومة منسجمة عقدياً وسياسياً وثقافياً مع مذهب الأكثرية، وأن تشهد مناطق الوسط والجنوب المحرومة نمواً بنيوياً اقتصادياً وخدماتياً مستداماً. 

 وهذا لايعني أن مطالبة المجتمع الشيعي العراقي بحقوقه الطبيعية المذكورة، ينبغي أن تؤدي الى تحول الدولة العراقية الى دولة شيعية، بل يعني أن تراعي الدولة حق الأكثرية السكانية المذهبية في كل المجالات، وأن لاتُكسر ـــ دائماً ـــ جرّة اللحمة الوطنية والتوازن بين المكونات وتأليف القلوب، برأس المجتمع الشيعي العراقي دون غيره، وأن يبقى هو (أم الولد) التي تتحمل المغارم وحدها، بينما تتوزع المغانم على الآخرين. ولعل المفارقة الأخرى، هي أن يوصم الشيعي الذي يتكلم بمنطق العدالة الواقعية والإنصاف العملي، بالطائفية وانعدام الوطنية، بينما يكون السني الذي يجهر بحقوق طائفته ـــ بكل قوة ـــ وطنياً، والكردي الذي لاينظر إلّا الى مصالحة القومية إبناً باراً للعراق. وهو ماظل ينعكس سلباً على علاقة المجتمع الشيعي العراقي بالدولة الجديدة والنخبة الدينية والسياسية الشيعية. وبالتالي؛ بقي التغيير المأمول بعد العام 2003 مبتوراً وناقصاً، رغم أهمية التغيير وكونه يشكل صدمة تاريخية كبرى للدولة العراقية الموروثة.       

 لذلك؛ لم يكن التآمر ضد شيعة العراق تآمراً عادياً يوماً، بل هو تآمر وجودي اجتثاثي، منذ عهد الاحتلال الأموي، ثم الحكم العباسي، ثم العثماني، وصولاً الى الاحتلال البريطاني والحكم الملكي الحجازي، ثم الحكم الجمهوري والحكم البعثي، وأخيراً الإحتلال الأمريكي. كل هذه الاحتلالات والحكومات كان هدفها استئصال التشيع أو حرفه وتدجينه، وتطويع الشيعة أو اجتثاثهم؛ لأن الخصوم، خاصة الأنظمة الطائفية العربية ومؤسساتها الدينية، لايزالون يعتقدون بأن تطويع المجتمع الشيعي العراقي أو اجتثاثه، هو المقدمة الأساسية لاستئصال التشيع بشكل عام، لأن المجتمع الشيعي العراقي هو قلب الجسد الشيعي العالمي، كما يصفونه.  

 وأسوق هنا مثالاً على طبيعة تفكير الخصوم حيال شيعة العراق، وهو مثال كنتُ طرفاً فيه. ففي العام 2008 دخلت في حوار مع شيخ وهابي سعودي في بيروت حول مشكلة الوهابيين مع الشيعة، وإمكانية الوفاق بين الشيعة والوهابيين على قاعدة التعايش وعلاقات مصالح الجغرافيا والأوطان، فكان يردد بكل صراحة ما مضمونه: ((صحيح أن مشكلتنا هي مع الوجود الشيعي بشكل عام، لكن مشكلتنا الأساسية هي مع شيعة العراق تحديداً، منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى وحتى الآن، وصحيح أيضاً أن شيعة لبنان وإيران هما عائقان كبيران أمام تحقيق مشروعنا، وأن إيران هي مصدر الحماية، وأن شيعة لبنان هم صوت الشيعة العالي، لكننا نستطيع تفادي خطرهما الى حد كبير، لكن شيعة العراق هم المارد الذي يرعبنا؛ فهم كثرة نوعية عنيدة مندفعة، ومثقفة مذهبياً، ولديهم عدد كبير من علماء الدين والخطباء والمؤلفين، ولديهم تنظيمات سياسية ومسلحة قوية، ولأنهم عرب؛ فلاتعيقهم اللغة والمعرفة باللهجات الثقافة العربية، من النفوذ في المجتمعات العربية السنية، وهذا ما لايستطيع الشيعي اللبناني أو الإيراني أو الهندي القيام به. ولو سمحنا لمشايخ شيعة العراق ومثقفيهم بالسفر كما يشاؤون، وممارسة التبليغ المذهبي؛ لتحول 50 بالمائة من السنة العرب الى شيعة خلال خمسين سنة فقط. وها هم الآن متغلغلون في مسارات الدبلوماسية العربية عبر سفارات العراق وجامعة الدول العربية ومؤسساتها. لذلك؛ من الطبيعي أن تقوم الدولة السعودية وغيرها من الدول السنية، وخاصة بعد العام 2003، بإلهاء شيعة العراق واشغالهم بمزيد من الأزمات والمشاكل، وضربهم من الداخل، وإشعال الصراعات بين كتلهم الاجتماعية والسياسية، وخلق العداء بينهم وبين شيعة ايران وشيعة لبنان)).

  وأرى أن ما قاله هذا الشيخ السعودي الوهابي لايحتاج الى تفسير؛ فهو يشكل القاعدة الايديولوجية لمخطط الاجتثاث الذي وضعه بندر بن سلطان رئيس المخابرات السعودية في العام 2013، والذي ينتهي ــ كما في الخلاصة التي كشفت عنها صحيفة الاندبندنت البريطانية ــ بتحويل شيعة العراق الى مشردين،كاليهود في عصر النازية. وهو ما تنبهت له الولايات المتحدة الأمريكية بعد العام 2011، وبدأت منذ ذلك الحين بدعم مخططات الأنظمة الطائفية العربية المعادية للمجتمع الشيعي العراقي./انتهى


لاتعبر المقالات المنشورة عن سياسة الوكالة وانما هي تعبر عن سياسة رأي كاتبها

 

 

القائمة البريدية

خدمة الاخبار العاجلة