نعمة "البصر" تطفئها "دخانية" ساحات التظاهر

عدد القراءات : 227
نعمة "البصر" تطفئها "دخانية" ساحات التظاهر

بلاد نيوز الاخبارية/  بقلم: ياسر الشمري

لم أعش موقفاً يهزني ويرعبني، فحياتي عبارة عن أسرة جميلة يترأس زمامها أبي معلمي الأول في الحياة، وأمي قدوتي في الإنسانية, كان يوماً مؤلماً حين لمَ بوالدتي وجع العين الذي لا بعده ولا قبلهُ وجع, فرحَلتُ بها إلى أشهر الأطباء في العاصمة بغداد, وعند الانتظار ومشاهدة الآلام يخفْ ألمك، فمصائب الناس تهونْ عليك مصيبتك, جالَت عيني الصحفية في أرجاء الصالة نسيتُ لحظة أمي المصابة، فالمشاهد المؤلمة تواكبت على عقلي وهزت مشاعري حين توقفت عيناي باتجاه ذلك الشاب الجميل الذي تحيطه عائلته كملاكٌ شفاف تسعى أن تعيد بصر عينه المصابة بكل الوسائل المتاحة - بالمال والدعاء والصبر, أمي المسكينة شعرت بوجع في قلبها قبل بصرها الذي خضع لعملية جراحية ناجحة جاءت تتمم الشفاء وتقلل الوجع ... فالأوجاع لا تغادر الانسان الطيب والمؤمن والذي يتألم لألام غيره من البشر. 

كان الشاب المصاب بإحدى عينيه، صامت وهادئ وعلامات الحزن والجزع بادية على محياه مما شكل في حسي الصحفي أن هناك أمر جللاً وراء قصته، فعزمت الاقتراب ممن معه من المعينين له ولكن كان لازماً عليّ ان أهتم بوالدتي التي اشرف عرضها على الدكتور ولا يمكن تأجيل الدخول لكوننا من محافظة تبعد عن العاصمة أكثر من مئة كيلو متر والليل اقترب وأجواء العراق لا تساعد على رجوع العوائل بأمان غالباً، لكثرة الخارجين على القانون وصعاليك الليل وحرامية الطرقات الذين يحكمون على كل من يخرج لطبيب او لعمل هو ضد العراق وضد احرار العراق وضد ساحات الاعتصام وضد كل من اعطى دمه فداء لحرية الشعب.

لكن القدر قد جمع دخول والدتي للمعاينة عند فاحص البصر قبل دخولنا إلى غرفة الطبيب بنفس وقت دخول ذلك الشاب الملائكي المنطفئ العين ، فأيقنت في خيالي انه يتواجد هنا في العيادة يريد التأكد من نجاح عمليته، فالذين يدخلون إلى الطبيب بشكلٍ مزدوج هو لاطمئنانهم على نجاح العمل الجراحي الكبير, وهنا جاء دوري لطرح تساؤلاتي القلقة فقلت لمن معه:

- يا أخ، الحمد لله على سلامة مريضكم ... سيبشركم الطبيب إن شاء الله بنجاح العملية. 

نظر اليه نظرة مؤلمة جداً بعيونٍ دامعة، أي نجاح يا أخي أنظر بعينيك وأحكم على أخي المصاب ...

أخذني الفضول وتجرأت على الاقتراب وما أن زال فاحص البصر اللاصق من عينهُ المصابة، أجفلت واقشعر بدني, الملاك بدون عين فقد أطفأ نورها تماماً، وبلا وعي مني قلت: ما الذي قلع عينهُ بهذه الطريقة البشعة.

جاءت الإجابة مغموسة بالدموع، أنه من المتظاهرين الذين يريدون تعيين وحرية وتحسين حال المجتمع والقضاء على الفساد ورجوع الامن والأمان للشعب العراقي, لكن قدره أن يُضربْ بقنبلة (دخانية) أخذت بصره أطبقت أجفانه وأذابت النور وتركت حفرة بشعة على وجهه الملائكي بالشكل الذي تراهُ، مع كل هذا الوجع والحرمان لم يأخذ أخي حقه وحلمه ومستقبله من العراق وسلطته الكوكتيلية التي لا يعرف لها أصل ولا فصل فكل أرذال العالم لهم يد في حكم وتدمير العراق وشعبه. 

أطرقت برأسي إلى الأرض وأنا اسمع حديثه بصوت ذي شجون وآهات، تثير الشفقة وتعلن المرارة وتوجع القلب، لفقدان الآمل في رجوع النور الى وجه أخيه, فقد أجريت له عدة عمليات جراحية كبرى جراء انكسار عظيمات العين. 

كان الملاك الاعمى يمسك بيد أبيه الذي يتوسل إلى فاحص البصر: هل من أمل أن يعيد بصره؟, يجيبهُ فاحص البصر ... لا اعلم اسأل طبيبه المختص. 

هذا السؤال وذاك الرد المجهول يؤكدان، إن الملاك قد دخل حياة الظلام من اوسع ابواب السياسة العراقية وما خلفته من قسوة على ابناء يبحثون عن حريتهم في وطنهم, لكن الامل بالله موجود, فعيون الملاك كانت عائلته، وأما أنا وفضولي الصحفي جعلني اتشبث بالبحث عن حقيقة ما سيقول الطبيب المختص للملاك، كان في قلبي أمل ان يعيد الطبيب البصر لعينهُ المحترقة, أخذت والدتي وأسرعت الخطى ليتزامن دخولي معه عند الطبيب ... أجلست والدتي وجعلت الملاك يتقدم للمعانية عسى أن يبشر بأمل النور ... فكانت كل جوانحي مصغية للطبيب الذي تأسف وتأفف ليقول بصوت هادئ ورزين: إن ملاككم ميؤوس من شفائه بعد أن انفجرت - كرة العين - وإذا أراد أن يحافظ على وسامة وجه أمامه حلٌ وحيد هو أجراء عملية تجميل ترجع عينهُ المحترقة شكلاً لا بصر ولا نور بهما.

بعد هذا القول القاسي والمؤلم توجهت عيناي باتجاه الملاك ورأيت كيف تحولت ملامح وجهه إلى كابوسية الجزع وآلم وحزن ويأس, وبدأت يداه تهطل من يد أبيه وهي ترتجف بينما الطبيب يعيد اللاصق الطبي إلى عينيه حتى لا ترعب وتفزع من يشاهدها , غرفة الطبيب تحولت إلى نشيج من البكاء الشجي المؤلم يكاد يسمع نحيبه كل المتأملين من عودة النور إلى وجه الملاك, الطبيب يمسك برأس الملاك ليقول:

ما أصبرك على الالم فأنك تتحمل وجعاً لا يتحمله إلا الإنسان المؤمن بربه وقضيته سأكتب لك ما يخفف وجعك.

أمسكت عائلة الملاك بشكل جماعي يده وكتفه وظهره وخرجوا يندبون بصمت خيبة أمل رجوع البصر, إما أنا فقد غرقت بالهم والدموع، ممسكاً بيد أمي لأجلسها بمكان الفحص, وفجأة رجع والد الملاك مسرعاً إلى يد الطبيب يريد تقبيلها وهو يكرر توسله هل من أمل أن يرى أبني النور, هل تنصحني أن أخذه لكبار الدول المختصة بالعيون ... جاء جواب الطبيب صادما حازماً:  

- " للأسف لا " 

فخرج بخف حنين، يائساً يجر خيبة الآمل, هنا لم اتمالك نفسي ونسيت أمي وأخذت أفكر بمصير مئات من الشباب الذين تعوقوا ومنهم هذا الملاك الذي فقد البصر ماذا سيعمل؟ من يعطي له حقوق ...؟ هل إذا انتصرت الانتفاضة الشعبية وحررت العراق من عنكبوت الفساد والفقر والفاقة والعوز؟ هل سيكحلون عينه المنطفية بنور الحرية والحقوق والتعويض الشخصي والنفسي.  

أسئلة لم أجد جواباً لها ولم أركز وقتها ماذا قال الطبيب لوالدتي التي هي أهم شيء عندي في الكون، لكن لغة الوطن والشباب والحرية والحقوق كانت همومي والدرس الذي يجب أن أتعلمه ولا أنساه طالما في العراق يتفشى الفساد والشباب جلساء البيوت والطرقات والساحات ينتظرون قنبلة "دخانية " تطفئ أبصارهم كي لا يرون العراق إلا في وجه الظلم والظلمات, ويبقون يحلمون في الظلام بعراق مزدهر يقوده الشباب الأحرار./ انتهى.

القائمة البريدية

خدمة الاخبار العاجلة