مقال | الانتحار الثقافي - بقلم: فاضل الشريفي

عدد القراءات : 364
مقال | الانتحار الثقافي - بقلم: فاضل الشريفي

بقلم: فاضل الشريفي - كاتب عراقي مقيم في النجف الاشرف. 

في قراتي للمشهد الثقافي العراقي و العربي واستقرائي لحياة اغلب المثقفين الذين سايرتهم في حياتي من سنين طوال الى الان اجد ان الكثير من الشعراء و الادباء الذي بدوءا حياتهم الادبية بالشعر و النثر او كتابة القصة وكانت بداياتهم مشجعة ان يكون الكثير منهم مشروع ولادة اديب او شاعر او كاتب و لكن الظروف التي مرت بهم من الام و حروب و ماسي قد جعلت الكثير منهم يتجه الى اتجاه اخر بعيدا عن الثقافة و الادب او ربما لانتهاء خزينهم الابداعي المتماشي مع الحياة من المعارف و قلة مواصلتهم مع الكتاب و القراءة الجدية في البحث عن كل ما هو جديد من الافكار الحديثة و المقولات المعرفية الجديدة و ابتعادهم عن مسايرة المطبوعات الحديثة بما تنتج يوميا من روايات و دواوين شعر و معارف فلسفية قد حدى بالكثير منهم الى ترك الادب و متاعبه و الاتجاه الى شؤون الحياة من عمل في التجارة و تحصيل المال. 

الاغلب الاعم لأنه لا يستطيع العمل لما به من مشاق و الوقوف لساعات طوال تحت لهيب الشمس الحارقة فقد ذهب الى استحصال الشهادات العليا من ماجستير الى دكتورا التي توفر للفرد من ثيمات اجتماعية و كرزما تحدد مقامه الاجتماعي و ما تضيف اليه من غرور قد افتقده من عدم استطاعته الى النبوغ والابداع الثقافي وفشله ان يكون اسمه لامعا في سماء الثقافة العربية فانه قد صار في نقيض بما بداه في حياته الادبية و التي ضيع منها الكثير من ايامه و اعوامه في القراءة و النضال من اجل ان يكون من النخب الاجتماعية و لكنه لم يصل الى ما كان يطمح اليه من موقع الصدارة الاجتماعية و الاستقرار المالي ليعيش حياة كريمة امنة من متطلبات حياته و عائلته التي تطلب منه الكثير. 

و ما يجد ( هذا الاديب ) من تفاوت في طبقية المجتمع جعله يبحث عن كينونته و وضعه بان السنين التي مرت عليه من قراءة لم تذهب سدى فاتجه الى ايسر الحلول و ابسطها و هو الشيء الذي يستطيع ان يفعله و هو الحصول على الشهادة العليا و بما الشهادة كما قلنا توفر الثيمة الاجتماعية فأنها حتما توفر له الاستقرار الاقتصادي من خلال الراتب العالي و المميزات التي يتبعها من منصبه بالأشراف على الرسائل و البحوث و ما يصاحبها من بروتوكولات الولائم في المطاعم الفاخرة و السفرات و الإيفادات الى خارج القطر او داخله لحضور المؤتمرات العلمية و التي تتبعها السكن في ارقى الفنادق و القاعات المكيفة ودائما تنتهي بالبيان الختامي المكرر و الممل بمجموعة توصيات غبية لا يمكن ان تتحقق و بعدها الرجوع الى بيوتهم يحملون الهدايا و الدروع و الشهادات التقديرية لتعلق في بيوتهم الفارهة و يموت الادب و يموت الفن و الابداع.

و هناك انتحار ابسط منه الا انه نادر جدا و هو الذهاب الى ان يكون طالبا دينيا في احدى المدارس الدينية.

حينما اسمع بأديب قد حصل على الشهادة العليا ارى كم هي رخيصة الحياة في الشرق و كم هو مستهان المثقف الذي لا يستطيع ان يأكل من ثقافته فيتحايل ليلبي رغباته الطبيعية ان يكون ذو شهادة عليا او يكون تابعا يلبي رغبات الاحزاب الحاكمة و يكون صوت الفاسد و اللص و المصيبة الكبرى انك تجد لديه تبريرا دينيا و اجتماعيا.

انه انتحار و نهاية اديب و ضياع الثقافة الادبية.

حينما اسمع بأديب قد حصل على الشهادة العليا فانا ارى جنازته تشيع الى مقبرة الجامعة.

 

*المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع*

القائمة البريدية

خدمة الاخبار العاجلة