عراق ما بعد تشرين.. اسئلة المصير - بقلم: الدكتور نعمه العبادي

عدد القراءات : 139
عراق ما بعد تشرين.. اسئلة المصير  - بقلم: الدكتور نعمه العبادي

 

بقلم: الدكتور نعمه العبادي

منذ خمسين يوماً تشهد البلاد تظاهرات اختلفت كما ونوعا واثرا ومطالب عن كل ما سبقها من حالات التظاهر، بل يمكن توصيفها من النماذج النادرة التي شهدها تاريخ التظاهر، ويشغل الجميع من اطراف هذا الحدث سؤال المآل والمصير، والاهم من ذلك هل ما يزال المستقبل (تحت السيطرة) من حيث توجيهه للوجهة التي يريدها الفاعلون المشتغلون على ذاك المشهد، ومع ان الحدث اطلق قريحة المعظم لانجاز الكثير من النصوص بمختلف منطلقاتها وعمقها ودقتها وطبيعة الجمهور المخاطب بها ونوع الرموز المستخدمة فيها إلا ان القليل منها المشتغل على اسئلة المصير، كما ان الاقل منه من يقدم مقاربة شاملة وعميقة لما يرتجى ان يكون، ومن هنا لا بد من تأشير للواقع ليكون قاعدة التأصيل للاسئلة المصيرية وتتمثل مؤشراته في الآتي:

- تجاوزا لكل الجدل الجاري حول حقيقة دوافع التظاهرات ومشروعية اصحابها فان التحري الواقعي الشفاف يرى بان 80٪ من المشاركين في التظاهرين ينطلقون من حاجات ومطالب واهداف تعود لوعيهم ولا صلة لها باي محرك خارجي او مؤامرة او اية اجندة مغرضة، بل هو ونتاج متراكم لموقف رافض خلقته حالة اللاعدالة في توزيع الثروة والسلطة فضلا عن اهدار كرامة الوطن واضعافه وتمكين التدخلات الخارجية بمختلف انواعها منه.

- يشكل 5٪ من المتظاهرين مادة الاجندة المغرضة سواء كانت بدوافع داخلية او خارجية، وهذه المجموعة تعي بوضوح طبيعة العمل الذي تشتغل عليه، وهي المسؤولة عن كل المشاكل والتداعيات التي تشوب بعض التظاهرات وتفتح مجالا للنقد والادانة، كما ان بعض اطراف هذه النسبة يحاولون دفع البلاد نحو الاقنتال او الفوضى والبعض منهم يمثل مرحلة تهيئة لمراحل تلحقها خططت لها جهات داخلية لمقاصد واغراض، وبالجملة فان هذا الجزء هو الاكثر خطورة على الارض.

تأشر بان 15٪ من المتظاهرين يقعون بدرجات مختلفة تحت تاثير ال 5٪ وقد يصدر منهم فعل ونتاج يصب في خدمة اجندة هؤلاء المغرضين من دون قصد، وفي بعض الاحيان يصبحوا اقرب الى الجمهور الاكبر منصهرين ضمن السياق العام، لكن امكانية التأثير السلبي عليهم ممكنة وواقعة في بعض الاحيان.

- مع تعدد مستويات المطالب ونوعها وحجمها وطبيعتها ومعقوليتها من غيرها، ومع ان النظام الخطأ الذي تم تصميم العملية السياسية على اساسه منذ ستة عشر عام هو الاساس في ما جرى في العراق مضافا لمدخلات اخرى إلا ان تحليل نفسي عميق لتلك المطالب يجدها متمحورة في نقطة مركز تتمثل في رفض عام وشامل لكافة (الوجوه والمسميات والقوى والاحزاب والكيانات والممارسات) التي شهدها العراق خلال العقد والنصف المنصرم، وهذا اللفظ الشامل شكل مانعا نفسيا عميقا امام اي خطاب او مناقشة او مقترح او مشروع، لذلك فإن المطالب التي يتم طرحه مثل اسقاط النظام او تغيير الحكومة او انتخابات مبكرة او... كلها بالدرجة الاساس هي ترجمة لهذه الكراهة التي تعمقت جراء اصرار كل الاطراف بعدم مراجعة الاخطاء ولا اي محاولة تدارك او تصحيح، بل مضت المسيرة تتقاسم المغانم والمطامع دون الالتفات الى البلاد والشعب.

- مثل التعاطي الخاطيء النابع من الفهم والتقييم لطبيعة التظاهرات وحقيقتها ومحاولة التدليس على الحقائق تحت عنوان المؤامرة وشيطة التظاهرات كما ان هناك اطراف مستفيدة بدرجات مختلفة من الواقع الجاري وبعض الاطراف التي تحاول زحلقة الحكومة في منزلقات الصدام والتصعيد التي تأتي برد فعل تصعيدي، كل ذلك انتج معطيات غير مقبولة تماما من التعامل، حيث سقط عدد مفجع من الشهداء والجرحى وهو عدد غير مبرر ولا مغفور تحت اي تفسير او عنوان، ولا يزال هذا النهج مستمرا ويخلق المزيد من الاخطاء.

- قدمت الرئاسات الثلاثة واطرافها خلال هذه الفترة  استجابات مختلفة بوصفها استجابة لمطالب المتظاهرين وكونها حزم اصلاحية إلا ان الواقع لم يشهد إلا امور بسيطة لا ترقى لخلق درجات واطئة من القناعة بالجدية، كما ان هناك تضارب وتذبذب وتقاطع فيما بينها، وبالجملة لم يرقى اي منها لتقديم نوافذ حل مناسبة، وظهرت في معظمها الرغبة للتشبث بالسلطة والبحث عن مخارج مشروطة ببقاء هذه الجهات في مواقعها.

- تدرجت المرجعية الدينية في موقفها من التظاهرات وبلغ ذروته الجمعة الماضية، حيث شكك في نية الجهات القابضة على السلطة في نيتها للاستجابة كما فضح التغانم والفساد واكد الوقوف الى جانب التظاهرات ودعى لقانون انتخابات عادل وطالب المتظاهرين بعدم الانسحاب دون تحقيق مطالبهم وحذر من لعبة الصراعات الخارجية وانعاكسها على العراق وحذر بوضوح من القادم، ومن المحتمل ان تصعد من سقف لهجتها في قادم الايام وربما تلجأ الى الفتوى لتحقيق ما تريد.

- حاولت معظم القوى السياسية ان تاخذ دور المتفرج وبعضهم ركب الموجة واطراف وقفت مع الحكومة إلا ان المحصلة تسجل تخلف ولا ابالية غير مغتفرة لهذه الجهات التي تنعمت بعراق ما بعد 2003 وكانت شريكة في كل الخراب الذي شهدته البلاد، والقليل منهم يبذل جهود صادقة من اجل الوصول الى حلول مقبولة، واما مشاريع الحلول التي تم طرحها من قبل الاطراف السياسية سواء في البرلمان او خارجه واضحة في حرصها على ضمان اكبر قدر من المصالح لتلك الاطراف السياسية ومحاولة الالتفاف بطريقة او باخرى على المطالب او التظاهرات طمعا بتذويبها وانهائها باقل درجات التغيير.

- دخلت بعض الاطراف الدولية على خط الازمة ومنها ايران حيث مالت الى فكرة المؤامرة ودعت الى مساندة الحكومة واجراء اصلاحات ضمن النظام الحالي وفي حدود سقوفه، كما تدبذبت امريكا بمواقف مختلفة مرة الى جانب الحكومة ومرة الى جانب المتظاهرين حيث يشوب موقفها الضبابية، كما ان بعثة الامم المتحدة تحاول لعب دورا مؤثرا في الازمة لكن تحديات جمة تواجه هذا الدور.

- من الصحيح القول بان هذه التظاهرات تسودها العفوية والتلقائية وليس لها قيادات بالمفهوم السياسي، بل هناك منظمين وميسرين ومنسقين لفعاليات التظاهر، وهناك حساسية وقلق نفسي لدى معظم المتظاهرين من اي مشروع للقيادة، ومن المهم التمييز بين شخصية منظمة ومنسقة في الميدان او عبر الانترنيت وبين قيادة قائمة على كاريزما جذابة ومواصفات تخلق قناعة نفسية وفكرية للاتباع تتمتع بقدرة التاثير وسطوة التحريك والتوظيف، وفي ذات الوقت يبقى حدود ما ينتجه الشارع من خطاب وشعارات ومطالب وفهم لمجريات الامور ومسارات المستقبل محدود في اطار اللحظة الراهنة، ولم يتم انجاز مقاربات عميقة ومتقدمة تاخذ المتظاهرين خطوات الى الامام للانتقال الى الانخراط بموجبات التغيير الحقيقي، َويغيب التواصل والاصغاء بشكل كبير عن كل ما يتم طرحه خارج ميادين التظاهر وهي اشكالية كبيرة تحتاج الى فكها من اجل ان يستكمل الحراك الجماهيري مشروعه التغييري مع رؤى متقدمة في وعيها مؤمنة بالجماهير والتغيير وواعية للمتطلبات.

في ضوء هذه المؤشرات وما تضمنه ينطلق الحديث حول اسئلة المصير، وفي هذا المجال توجد ثلاث مسارات تخطط للمصير او تعمل على ان يكون بهذه الصيغة تتمثل في :

المسار الاول: يراهن على الزمن، ولا يزال مقتنعا بان الامور يمكن اعادتها الى ما كانت عليه، وهو الاتجاه الاكثر ايمانا بان القوة والردع ومزيد الضغط يحقق النتائج المرجوة، وينظر هذا الاتجاه للمتظاهرين بانهم مجموعة صبية مندفعين سوف تخفت حرارتهم وتقل عزيمتهم وبالتالي تنتهي التظاهرات بشكل تدريجي.

المسار الثاني: يؤمن بضرورة اجراء اصلاحات مع الاحتفاظ بهذا المشهد السياسي القائم حيث يتحقق ذلك بتبديلات وزارية وحزمة قوانين واصلاحات وتكون هذه الاصلاحات ذات تاثير ملحوظ لكنها ضمن اطار الشكل القائم حاليا.

المسار الثالث: تخطط له قوى سياسية ضمن المشهد العام تريد تشكيل وضع جديد بمسمى ما مع الاحتفاظ بموقع جديد لتلك القوى الطامحة وابعاد القوى المتسيدة ضمن الوضع الحالي ويتبع ذلك استبدال كلي للحكومة ومقاربة جديدة للحكم لكن ذلك كله لا يخرج من اطار سلطنة قوى ما بعد نيسان 2003.

ان القراءة الواعية لمسار التظاهرات وما يرافقها من تطورات داخلية وخارجية وما شكلته من نقلة على مستوى الوعي الفردي والجماعي تؤكد ان هذه المسارات الثلاثة لن تجد لها استجابة وتفاعل من الجمهور بسبب الكراهة المتأصلة التي اشرت لها وعدم الثقة الذي يدعمه الكثير من الوقائع، كما ان النفس العام لمسار المتظاهرين من المستبعد ان يستجيب لاي من هذه المسارات ويتفاعل معها وبالتالي فانها مستبعدة التحقق سواء لعدم قابليتها او لعدم مقبوليتها.

من هنا ياتي السؤال الاهم في هذا النص ومفاده العراق الى اين؟

بحسب فهمي فان هناك مسارين يمكن ان يذهب تجاههما البلاد وهما:

1/المسار الذي تخطط له الجهات المغرضة والاجندة الخارجية التي تتقوم مؤامرتها عبر ال 5٪ الفاعلين وال 15٪ المتأثرين، وهذا المسار يقوم على اساس دفع الامور الى لحظة صدام واسعة تقود الى المزيد من الضحايا المتبادلة، ويدخل الطرف الثالث والرابع والخامس بشكل ميداني ليقوم بسلوك هائج فضلا عن فعاليات اخرى تجتمع في الانقضاض الكامل على كل الجهات الحكومية والسياسية، ويعم الهرج والفوضى وقد يتبع ذلك تدخلا من اطراف دوليا بشكل ميداني، والمحصلة تحول البلد الى ثقب اسود اسوء من وضع اليمن وليبيا وسوريا.

2/المسار الانقاذي وهو اتجاه ينطلق من حقيقة ان النظام السياسي خلال ستة عشر سنة وشخوصه واطرافه عمدوا بشكل منظم الى عملية نهب وفساد وتغانم للسلطة والثروة، وان هذه الجهات تؤمن اعماقها بانها صاحبة الحق الحصري في قيادة الامور، كما انها ليست فيها اية قابلية للاصلاح والصلاح مهما وعدت وتحدثت، ولذلك لا بد من عملية شاملة حقيقية تنطلق من عقد اجتماعي حقيقي يتشكل من ساحات التظاهر ويتوسع تدريجيا الى كل الجمهور، يتبعه انجاز دستور جديد يترجم حقيقة الشعب ومكوناته ويراعي خصوصياته ويكون ارضية يستند عليها نظام سياسي فاعل ومرن، ثم يتم انجاز استفتاء عام باشراف اممي عليه وانتخابات تنطلق من شكل النظام الذي يتم التراضي عليه، ويكون اول مهام الحكومة الجديدة محاسبة الفساد والظلم والتظالم خلال الستة عشر سنة الماضية بناء على محاكمات شفافة وبعيد عن التعسف والتشفي والثارات، واستعادة ما يمكن تداركه مما نهب من اموال العراق، وانهاء ملفات التدخل الخارجي بكل اشكاله.

حري بالذكر ان اكبر تحدي يواجه هذا المسار يتمثل في رسم علاقة مقبولة مع الاخوة الاكراد وكذلك ايجاد جوي عام دولي مقنع يقف الى جانب هذا المسار.

ارجو ان يكون هذا النص قدم رؤية شاملة لعراق ما بعد تشرين...

القائمة البريدية

خدمة الاخبار العاجلة